هذه رسالة من مريض اكتئاب وطالب علم نفس في قطاع غزّة إلى العالم:
أيها العالم، في ظل التقدم العلمي المهول في كافة العلوم الطبيعية والعلمية، إلا أنّك عاجز عن إيقاف شاب من بين خمسة شباب في قطاع غزّة يفكرون بالإنتحار. وهذا الأمر، إذا كنت تراه عادياً فليس من العادي جداً أنّ 96% من سكان قطاع غزّة يشعر بالموت الوشيك، وأن مليون طفل في قطاع غزّة لديهم اضطرابات نفسية خصوصاً بعد حرب الإبادة، وليس من العادي أيضاً أن 38% من البالغين في قطاع غزّة مصابين بالاكتئاب. وأنّ 61% من سكان قطاع غزّة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ولا زالو يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة المعقد.
أيها العالم، لقد فشلت أمام اختبار الاستقرار النفسي للغزّيين خلال حرب الإبادة التي ما زالت مستمرة إلى اليوم، واستمرارها يأتي برضى ودعم أغلب الحكومات الغربية وبعض الحكومات العربية التي تتلقى الإملاءات من الامبريالية العالمية. وبالتالي هذا الفشل لن يكون فشلاً يخص غزّة وحدها، بل هو فشل أمام الإنسانيّة بأجمعها.
إذا ما أردنا أن نتكلّم عن السلام في العالم، فيجب أن يبدأ السلام من داخل الإنسان. والغزيين لا نصيب لهم من السلام الداخلي بفعل الاحتلال. وانا هنا لا أخص كلامي بالابادة فقط بل ما قبل الإبادة منذ بدء الحصار الصهيوني على قطاع غزّة عام 2007. هذا الأمر، والذي عزّز لدينا الحصار النفسي كغزّيين، في مفهومه الخاص والعام، زاد من نسبة الاضطرابات النفسيّة لدى الغزّيين، وهذه الاضطرابات ليس مصدرها خلل نفسي برمّتها، بل هي اضطرابات سببها واقع سياسي فرضه الاحتلال الصهيوني على الغزّيين. وهذا الواقع السياسي الذي يجعل الغزّي دائم التهديد وشعوره الدائم بوشك الموت لذاته او لافراد عائلته يعزز في واقعه عدم استقرار نفسي. وهذا الأمر، حل لا يكون بعلاج نفسي فردي يناسب الانسان الأبيض في الدول الصناعيّة وأمراض العصر التي أنتجتها الثورة الصناعية، بل حلّه واقع سياسي مغاير تماما للواقع السياسي الحالي والذي تفرضه إسرائيل. واقع سياسي مغاير لا يُحسب فيه عدد السعرات الحرارية اليوميّة للغزّي الواحد، وهذه خطة صهيونيّة نشرتها صحيفة هآرتس الصهيونية عام 2012. لا أريد تسمية الأمور بالفاشيّة او النازيّة، بل المسمى الحقيقي لكل هذه الأمور هي "الصهيونيّة" وهي أسوأ من المذكور، بل الأسوأ على الاطلاق، فإذا كانت النازيّة أحرقت اليهود في العالم فهذا لا يُعني أن أدفع أنا وشعبي ثمن هذه المحرقة أيضا، حيث تستمد الصهيونية شرعيتها من المحرقة النازيّة، وهي بكل تأكيد مدانة بالنسبة لي ولأغلب الغزّيين، ولكن هذا لا يُعطي الحق للحركة الصهيونيّة أن تفعل ماهو أسوأ من المحرقة. من تجويع إلى سياسات عقاب جماعيّة إلى حساب السعرات الحرارية للغزيين إلى إبادة حصلت على مرآى العالم دون أن يكون هناك أي رد فعل مناسب لقتل الغزي وحرقه وابادته وكأن الغزّي لا شيء وكأنه لا حياة للغزّي يعترف فيها العالم كما يعترف بالحياة لليهود الذي تسرق الحركة الصهيونيّة مظلوميتهم التاريخيّة لتكرر الأمر ضد الفلسطينيين.
على صعيد شخصي، أطلب من العالم بإدخال دوائي ودواء كل من له حاجة بالطب النفسي، فمنذ بدء الإبادة تمنع إسرائيل دخول الدواء النفسي إلى قطاع غزّة في خطوة ممنهجة لتسبيب الانهيار النفسي لدى المجتمع ككل، وليس على صعيد فرد او اثنين، هذا الاجرام لا يكون لوحده فقط ضد من يحملون الهموم النفسيّة وهم غالبية غزّة بما فيهم الأطفال، بل يزداد الاجرام لمنع الدواء الشهري للمسنين ومنع أدوية مرضى السرطان وفحوصاتهم ومنع الفحوصات الطبية اللازمة والموجودة في أي مكان بالعالم. هذا الطلب ليس استجداءً من العالم، بل هو حقي المكفول، واذا ما رأيت حقوقي مجرد شيء هامشي فأنا لا أشعر بإنسانيتي، وكغزّي أنا إنسان، إن كنت مدني أو مقاتل، وان كنت شاب أم فتاة، أو طفلا ام عجوزا، الغزي إنسان وعلى العالم أن يفهم هذا الأمر ويعيه. نحن لسنا وحوش بشريّة ولا نقبل أن تُنزع الأنسنة عنّا كأدآة استعمارية قديمة تستخدمها الحركة الصهيونيّة والدولة الإسرائيلية ضدنا. أنا وغيري وكلنا إنسانيين حتى لو لم يعجب هذا الأمر كل العالم. وتأكيدي على إنسانيتي أيها العالم هو فشل ذريع لك، فشل في ظاهره وباطنه عدم إنسانية العالم في التعامل مع الغزّيين ومع مأساتهم.
هذه الرسالة أكتبها وأنا أنتظر دوري عند الطبيب النفسي في العيادة الحكوميّة، والذي يكون دوري رقم 92 بعدما قطعت التذكرة على الساعة السابعة صباحاً. فليسقط العالم الذي أحتاج فيه إلى اثبات انسانيتي، وليسقط العالم الذي أطلب منه حقي في العلاج وليسقط العالم الذي توجد به دولة عنصرية صهيونية تسلب الفلسطيني حقوقه تحت شعار مظلوميّة أناس لا يمتون لهذه الحركة الاستعمارية بشيء.
في النهاية، أود القول بأن هذا العالم لديه اختبار مع الإنسانية وفشل فيه. وهذا الفشل لا يأتي بسبب فعل مساعد لقتل الإنسانية، بل يأتي أيضاً بسبب عدم الفعل لقتل الانسان على مرآى ومسمع العالم.
كتبت هذه الرسالة بدموع العين، ومع كل دمعة سقطت هو اعلان فشل العالم في الحفاظ على انسانيته.
بهاء شاهرة رؤوف ، إنسان من قطاع غزّة-فلسطين أيها العالم غير الإنساني.



